ابن خلدون
343
تاريخ ابن خلدون
وأحمد بن مزيد للقيام بما كان يتولاه من مدافعة العدو وكفالة الأمير أبى زكريا ابن السلطان وقدم هو على السلطان وأسكنه بقصور ملكه وفوض إليه أمور سلطانه تفويض الاستقلال فجرى في طلق الاستبداد عليه وأرخى له السلطان حبل الامهال واعتد عليه فلتات الدالة على ما كانت الظنون ترجم فيه بالمداهنة في شأن العدو والزبون على مولاه باستغلاظهم وأمهله السلطان لمكانه من حماية ثغر بجاية والاشتغال به دونه حتى إذا تجلت غمامتهم وأطل أبو الحسن عليهم من مرقبه ونهض السلطان أبو بكر إلى بجاية وخرب تيمر زدكت فأغراه البطانة حينئذ بالحاجب محمد بن سيد الناس وتنبه له السلطان فأحفظ له استبداده وتقبض عليه مرجعه من هذه الحركة في ربيع سنة ثلاث وثلاثين واعتقله ثم امتحنه بأنواع العذاب لاستخراج المال منه فلم ينبس بقطرة وما زال يستغيث ويتوسل بسوابقه من الرضاع والمربى وسوابق أبيه عند سلفه حتى لدغه العذاب فأفحش ونازل من السلطان وانخدع فقتل شدخا بالعصا وجر شلوه فأحرق خارج الحضرة وعفا رسمه كأن لم يكن والى الله عاقبة الأمور ولما تقبض السلطان على ابن سيد الناس ومحا أثر استبداده قلد حجابته الكاتب أبا القاسم بن عبد العزيز وقد كان قدم من الحج عند مبايعة ابن مكي لعبد الواحد بن اللحياني فلحق بالسلطان في طريقه إلى تيمر زدكت فلم يزل معه إلى أن دخل حضرته وتقبض على ابن سيد الناس فولاه الحجابة وكان مضعفا لا يقوم بالحرب فعقد السلطان على الحرب والتدبير لصنيعته وكبير بطانته يومئذ محمد بن الحكيم وفوض له فيما وراء الحضرة وهو محمد بن علي بن محمد بن حمزة بن إبراهيم بن أحمد اللخمي ونسبه في بني العز في الرؤساء بسبتة وجده أحمد هو أبو العباس المذكور بالعلم والدين والرأي ابن القاسم المستقل برياسة سبتة من بعد الموحدين وكان من خبر أوليته فيما حدثني به محمد بن يحيى بن أبي طالب العز في آخر رؤساء العزفيين بسبتة والمنقضي أمرهم بها بانقضاء رياسته وحدثني أيضا بها حسين ابن عمه عبد الرحمن بن أبي طالب وحدثني بها أيضا الثقة عن إبراهيم ابن عمهما أبى حاتم قالوا جميعا ان أبا القاسم العزفي كان له أخ يسمى إبراهيم وكان مسرفا على نفسه وأصاب دما في سبتة وحلف أخوه أبو القاسم ليقتادن منه ففر ولحق بديار المشرق هذا آخر خبرهم وأن محمدا هذا من بنيه وبقية الخبر عن أهل هذا البيت من سراتهم أن إبراهيم أنجب محمدا وأنجب محمد حمزة ثم أنجب حمزة عليا فكلف بالقراءة واستظهر علم الطب في إيالة السلطان أبى بكر بالثغور الغريبة وأصاب السلطان وجع في بعض أزمانه وأعياه دواؤه فجمع له الأطباء وكان فيهم على هذا فحدس على المرض وأحسن المداواة فوقع من السلطان أحسن المواقع واستخلصه لنفسه وخلطه بخاصته وأهل